- خمسة مطالب أساسية يدعو حشد من القيادات الحزبية والنقابيّة والكتاب والصحفيين لتطبيقها بخصوص إقامة الأشقاء السودانيين في مصر
- كرامة السودانيين في مصر.. ليست محل مساومة
- "كرامة السودانيين في مصر ليست محل مساومة، وحقهم في الحياة والأمان خط أحمر لا يُقبل تجاوزه" . كان هذا العنوان الرئيس للبيان الصادر عن مئات من القيادات الحزبية و النقابيّة والسياسية ومن الكتاب والصحفيين والمثقفين والمواطنين العاديين، تعليقّا على " بعض الأحداث الأخيرة " .. كما ورد نصا في البيان .. لمس البيان أوتارا حساسة في نفوس الموقعين عليه. وقعت معهم بالتأكيد، سيما أنني في الأسبوع الماضي تناولت القضية على صفحات المشهد .. وكتبت عن العنصرية البغيضة التي يمارسها البعض من الجانبين ، في مقال عنونته بـ "غضب العنصريين العرب".
- كانت مناقشة كتابات وأقوال رحاب المبارك ونفيسة أبو حجر أساسية فيما كتبت. لكن البيان المشار إليه ، أضاف إلى الصورة بعدا أخر ، وهو آن العقلاء وأصحاء الوجدان موجودون بين الجانبين. كثير من الفعاليات والندوات حضرتها، اهتماما بالموضوع السوداني كله، وكل شأن فيه يخصني.. ولست وحدي .. هذا بلد نحبه، وهو عمق استراتيجي لنا وكذلك للدولة السودانية. كل عربي أصيل هذه نظرته للأمر، فليس هذا البلد مجرد "سلة غذاء للعالم العربي" كما تعلمنا كتب التربية الوطنية والتاريخ في زمن عبد الناصر، بل هو "سلة أشقاء" روح ومحبة وعمق ومودة.. سلة فكر وثقافة وأصالة، وإن كان الأصوليون المتشددون هم من يتغلغلون في الوادي المنكوب بالحرب والانقسامات والذي لم يتأمل أهله كثيرا كيف آن الاستعمار كان وراء كل هذه النعرات التي استهدفت تمزيقه، وما حدث في انفصال جنوب السودان إلا إشارة لاتخطئها العقول، فهذا ليس الانفصال الوحيد المستهدف، وانما تقسيم كل السودان، ليظل أهله يتقاتلون ويتغربون ويهربون تحت وابل من لعلعة البارود في الشوارع، من وادي حلفا إلى حدود جنوب السودان، ومن كسلا والقضارف والخرطوم إلى جنوب وغرب كردفان ومن بورسودان إلى الفاشر.
- البيان هزني، كما هي الحال مع الموقعين عليه. أتشاطر مع من أعدوه الأفكار والإحساس بالخطر، وأعترف بأنه بوضوحه وصراحته دفعني لتأييد مضامينه الخمسة التي ذيل بها سطوره، فالمشكلات والأزمات التي أوردها - وليت قومي يعلمون ويعملون على إيقاف مايحدث - هي أمر مرفوض ومدان وبأشد العبارات:
"ما يجري من حملات توقيف واحتجاز، وما يصاحبها من حالة خوف واسعة بين السودانيين المقيمين في مصر، يضعنا جميعًا أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية. هؤلاء لم يأتوا إلى مصر بحثًا عن رفاهية، بل فرارًا من حرب مزقت وطنهم، ومن موت كان يطاردهم كل يوم. فإن شعروا اليوم بالخوف ذاته على أرض لجأوا إليها طلبًا للأمان، فهذه مأساة لا يمكن تجاهلها أو تبريرها".
- هاهو البيان إذن يشير ألى حملات توقيف واحتجاز!! وأنا هنا أناشد المسؤول الأول عن هذا الإجراء وأدعوه بكل تقدير إلى احترام العلاقة الوطيدة بين الشعبين، فهولاء الأشقاء سيعودون إلى بلدهم بعد سكوت المدافع، وستبقى ذكريات وجودهم في مصر، إما مرارة تشق الصدور وإما فرح غامر يبلسم القلوب. فلماذا نتجاهل التاريخ؟ بعض المرارة في العلاقات المصرية السودانية مكتوبة وموثقة في مذكرات الصاغ صلاح سالم التي نشرتها الجمهورية وأشرف عليها وكتب لها المقدمة الأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشِّلْق، وهو مؤرخ رفيع الشأن كبير المقام يشار إليه بكل تقدير واحترام.
وذكر البيان الذي يجب إن يلفت انتباه الجميع.. مسؤولين ومواطنين: إن ما يتردد عن وفاة رجلٍ مسن وشاب سوداني داخل مقري احتجاز في الشروق وبدر ليسا خبرين عابرين في شريط الأحداث. إنهما جرح مفتوح في ضميرنا الجمعي. الحق في الحياة ليس منحة من سلطة، بل حق أصيل لا يُنتقص ولا يؤجل. وكل وفاة داخل مكان احتجاز تفرض تحقيقا فوريا مستقلا وشفافا، تعلن نتائجه للرأي العام بوضوح كامل، وتحدد فيه المسؤوليات دون مواربة أو تسويف.
ويستطرد البيان قائلا بحسم: نرفض بشكل قاطع أي احتجاز تعسفي أو إجراءات تفتقر إلى الضمانات القانونية الواجبة. ونرفض كذلك الحملات الإلكترونية التي تبث خطابات الكراهية والعنصرية التي تتسلل إلى المجال العام، لأنها لا تسيء إلى السودانيين وحدهم، بل تسيء إلى مصر نفسها، وإلى تاريخ طويل من التداخل الإنساني بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والمصير.
وأكد أيضا: ندرك أن للدولة حق تنظيم الإقامة، لكن هذا الحق يجب أن يمارس في إطار القانون، وبما يصون الكرامة الإنسانية. تطبيق القانون لا يعني الإذلال، ولا يعني بث الرعب، ولا يعني تحويل فئة بأكملها إلى موضع اشتباه دائم. الأمن الحقيقي لا يُبنى بالخوف، بل بالعدل.
مازال الكلام للبيان: من اضطر إلى مغادرة وطنه لا يفعل ذلك خيارًا، بل اضطرارًا. والمسؤولية الإنسانية تقتضي أن يُعامل باحترام، لا بريبة جماعية.
إن الحفاظ على الروابط بين شعبي وادي النيل مسؤولية تاريخية لا يجوز التفريط فيها. وأي ممارسات تمس كرامة الأشقاء السودانيين تمس، في الوقت ذاته، صورة مصر ومكانتها وقيمها التي نعتز بها.
وتأسيسا على ذلك وضع البيان خمسة مطالب أساسية :
١- الوقف الفوري لأي ممارسات تؤدي إلى احتجاز تعسفي، خاصة لمن يحملون أوراقًا قانونية سارية.
٢- تمكين جميع المحتجزين من التواصل الفوري مع ذويهم ومحاميهم دون عوائق.
٣- فتح تحقيق مستقل وشفاف في حالتي الوفاة (المشار إليهما) وكل الوقائع المرتبطة بالاحتجاز، وإعلان نتائجه للرأي العام.
٤- ضمان الالتزام الكامل بالمعايير القانونية والإنسانية التي تحمي الحق في الحياة والكرامة والمحاكمة العادلة.
٥ وقف الحملات الاعلإميةالتي تستهدف زرع الشقاق بين الشعبين.
- إنني وإن كنت أطالب مع المطالبين باحترام القانون - وروحه أيضا - وتطبيقه بعدالة وشفافية ، نطالب إيضا العنصريين السودانيين والمصريين بالكف عن إشاعة حملات الكراهية وإذكاء روح البغض والعنصرية المقيتة. فسيعود السودانيون إلى وطنهم، ولا نريد لهم آن يحملوا ذكريات سيئة عن تجربة تهجيرهم قسريا إلى بلدهم الشقيق. كفى أوجاعا وإيلاما وإغضابا، لبيوت سودانية عريقة حملت منذ ثورة يوليو وحتى اليوم مثل هذه المشاعر تجاه مصر، وساهم في تأجيجها المسمون بالأصوليين هناك، والذين لايطبقون من هذه الكلمة معنى آو روحا أو انتصارًا لضمير.
--------------------------------------
بقلم: محمود الشربيني






